اخبار عامه

محمد النصري .. فرحة_العودة

بعد غيابٍ طويلٍ امتد لثلاثة أعوام، وبعد مسافةٍ من الصمت أثقلت كاهل الشوق وأشعلت في قلوب المحبين جذوة الانتظار، عاد الفنان محمد النصري إلى عناق المسارح من جديد، فعاد معه الفرح إلى مكانه، واستردت الأغنيات بعضاً من ألقها، واستيقظت في الذاكرة مواسم كاملة من المحبة والحنين والذكريات.

عصر ومساء أمس، وعلى خشبة مسرح المؤسسة التعاونية بأم درمان، لم تكن العودة مجرد ظهورٍ لفنانٍ غاب طويلاً، بل كانت موعداً استثنائياً بين صوتٍ وجمهور، بين فنانٍ ظل حاضراً رغم الغياب، ومحبيه الذين أثبتوا أن المحبة الصادقة لا تُقاس بطول الحضور، وإنما بعمق الأثر.

هناك، احتشد جمهور غفير من محبي النصري، ذلك الجمهور الذي يمكن أن نطلق عليه، بكل محبة، “فيلق النصراوية”؛ أولئك الذين حملوا الشوق ثلاث سنوات كاملة، ولم تسمح لهم المسافات ولا الأيام ولا الغياب بأن يطووا صفحة ذلك الصوت الذي ارتبط عندهم بالوجدان، وبالذاكرة، وبأجمل تفاصيل الحياة.

كان المشهد أكبر من حفلٍ فني، وأعمق من لقاءٍ عابر؛ كان أشبه بعودة الغائب إلى أهله، وعودة الصوت إلى صداه، وعودة الفرح إلى موطنه. وجوهٌ جاءت تحمل الانتظار، وقلوبٌ جاءت محمّلة بالاشتياق، وأعينٌ تترقب اللحظة التي يطل فيها النصري على جمهوره من جديد.

وحين اعتلى محمد النصري المسرح، بدا وكأن السنوات الثلاث لم تكن سوى استراحة قصيرة بين فصلين من الحكاية. حضر بذات الطلة، بذات الهدوء، بذات الحضور الذي يعرفه جمهوره، والأهم من ذلك كله: حضر بذات الروح التي أحبها الناس.

لم يخذل الغياب صوته، ولم تنتقص السنوات من ألقه، بل جاء النصري كما عرفه محبوه؛ نصرياً في حضوره، ذهبياً في أدائه، أصيلاً في إحساسه، عميقاً في اختياراته. وكأن الزمن، بدلاً من أن يأخذ من تجربته، أضاف إليها عمقاً ونضجاً ووهجاً جديداً.

وكما قيل : “الدهب بيذيد بريق كل ما نجض في النار وحَرَق”؛ هكذا كان محمد النصري في عودته. فالسنوات لم تطفئ بريقه، وإنما صقلت التجربة، وذادت الصوت رسوخاً، وأكسبت الحضور معنى آخر. عاد أكثر نضجاً، وأكثر امتلاءً بالتجربة، لكنه ظل محتفظاً بذلك البريق القديم الذي لا تخطئه القلوب ولا تنساه الذاكرة.

ثلاثة أعوام من الغياب كانت كافية لتجعل لحظة العودة أثمن، وأشد وقعاً، وأعمق أثراً. فبعض الأشياء لا نعرف قيمتها كاملة إلا حين نفتقدها، وبعض الأصوات لا ندرك مقدار حضورها في حياتنا إلا عندما يصمت صداها. ومحمد النصري واحد من تلك الأصوات التي لا تغيب حين يغيب صاحبها؛ لأنها تستقر في الوجدان، وتبقى حاضرة في الذاكرة، وتواصل العيش في تفاصيل الأيام.

لقد كان جمهور النصري بالأمس شاهداً على أن العلاقة بين الفنان وجمهوره قد تتجاوز حدود الفن إلى فضاءات أرحب من الألفة والانتماء الوجداني. لم يكن الجمهور مستمعاً فحسب، بل كان شريكاً في صناعة المشهد، وحارساً لذاكرة الأغنية، ووفياً لصوتٍ ظل يرافقه في الأفراح والأشواق والذكريات.

وفي أم درمان، المدينة التي تعرف كيف تحتفي بالفن، وكيف تمنح اللحظة الإنسانية معناها الكامل، اكتملت الصورة. مسرحٌ يحتضن العودة، وفنانٌ يفتح أبواب الحنين، وجمهورٌ يرد التحية بالحب، في مشهدٍ بدا كأنه قصيدة طويلة كتبتها ثلاث سنوات من الانتظار، ثم ختمتها لحظة اللقاء.

كانت العودة أشبه بعودة النهر إلى مجراه، وبعودة الطائر إلى عشه، وبعودة الأغنية إلى جمهورها. كل شيء كان يقول إن الغياب مهما طال، لا يستطيع أن يهزم المحبة حين تكون صادقة، ولا يستطيع أن يمحو أثراً تركه فنان في وجدان الناس.

ومحمد النصري، الذي عرفه جمهوره صوتاً للحنين ورفيقاً للذاكرة، لم يكن بحاجة إلى كثيرٍ من الوقت ليستعيد مكانه؛ فالمكان كان محفوظاً، والقلوب كانت تنتظر، والمقاعد كانت تحمل حكايات أصحابها، والذكريات كانت مهيأة لاستقبال صاحبها القديم.

لقد عاد النصري إلى المسرح، لكن الحقيقة الأجمل أنه لم يعد إلى جمهوره فقط؛ بل عاد الجمهور أيضاً إلى نفسه، إلى تلك المساحة الجميلة التي صنعتها الأغنية في داخله، وإلى زمنٍ كانت فيه بعض الأصوات قادرة على أن تجمع الناس حول إحساسٍ واحد، وأن تجعل من الأغنية جسراً بين القلوب.

إنها ليست عودة فنانٍ إلى خشبة المسرح فحسب، وإنما عودة إحساس، وعودة ذاكرة، وعودة فرح.

عودةٌ طال انتظارها، فلما جاءت كانت بحجم الشوق.

عاد نصرينا ، فعادت معه تفاصيل كثيرة ظن البعض أن الغياب قد أخذها معه. عاد الصوت، فعاد الصدى. عاد الفنان، فعاد الجمهور. عاد المسرح، فعادت إليه الحياة.

وما أجمل أن تكون بعض الغيابات مجرد فصلٍ مؤقت في كتاب المحبة، وأن تأتي العودة لتثبت أن بعض الحضور لا يغيب أبداً.

محمد النصري… فرحة رجوعك بس كفي.

أغاني أمثال سودانية

"أجمل الأمثال والأغاني السودانية" هي منصة إعلامية سودانية متخصصة، تجمع بين روائع التراث الشعبي من أمثال سودانية أصيلة، وأجمل الأغنيات التي شكّلت وجدان الشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى